ابراهيم الأبياري
318
الموسوعة القرآنية
وما من شك في أن هذا الكتاب الكريم يحمل معجزة ثانية خالدة بخلوده ، فلقد كانت معجزته الأولى في بيانه الذي خرست معه الألسنة فما تنطق ، وفي فصاحته التي شدهت معها الأفئدة فما تعى ، وسوف يظل هذا البيان وتلك الفصاحة حجة على العالمين . تلك كانت معجزة القرآن الأولى يوم طالع الرسول العرب ، وهم ما هم بيانا وفصاحة ، فخروا لها ساجدين وأذعنوا لها مسلمين . أما عن معجزته الثانية فهي في حمايته أمة من أن تشيع في أمم ، ولغة من أن تذوب في لغات . فما نعرف شيئا حمى اللغة العربية من الضياع - مع تلك الأزمات العاصفة التي مرت بها والتي كم أودت مثيلات لها من لغات وبلبلت من ألسنة - غير هذا الكتاب الكريم ، أبعدت ما أبعدت الشعوب العربية عن الكلام بلغتها العربية وكان هو مردها إليها ، كلما أو شكت أن تنفصم صلتها بها ربطها هو بها . وهكذا عاشت الأمة العربية بعيدة بكل ما في يديها عن لغتها قريبة بهذا الكتاب وحده إلى لغتها . وحين حمى هذا الكتاب اللغة لأهلها حمى هؤلاء من أن يتفرقوا أيدي سبأ ، فلو أن الزمن بلبل ألسنتهم أمما مختلفة ذات ألسنة مختلفة ما وجدت بينهم هذه الصلة الضامة من اجتماع على تراث خالد ، كان هو بمثابة الأب الروحي الذي يصل بين الأرواح والنفوس والقلوب .